إحياء المدن التاريخية نحو مستقبل زاهر

الحفاظ على المدن التاريخية حفاظ على هويتنا الوطنية

 

تشكل المدن التاريخية في اليمن جزءً هاماً من الهوية اليمنية إذ أن اليمن قد عكس إلى العالم فنه المعماري الفريد ورسم خيال من يفكر في اليمن تلك التحف المعمارية الجميلة التي تسطر أمجاد اليمانيين عبر العصور المختلفة وتعكس مدى تطور الفن المعماري وتشييد المدن التي تعتمد على طابع ونسيج تخطيطي مميز قلما يوجد في أي مكان آخر. وهذا التراث الغني يمكن اعتباره مصدراً من مصادر الثروة للبلاد كون اليمن يمتلك إمكانيات كبيرة من هذا التراث الإنساني ومخزوناً هائلاً لا ينحصر تواجده فقط على المدن اليمنية الثلاث المدرجة في قائمة التراث العالمي وإنما يتعداها إلى كافة أنحاء اليمن حيث توجد العديد من المدن الأخرى يمكن تصنيفها ضمن الكنوز الثمينة التي يمكن الاستفادة منها بشتى الوسائل أهمها إعادة توظيف المباني واستغلالها اقتصادياً.

وهناك الهديد من الأسباب التي تعطي المدن اليمنية هذه الأهمية وهي في البداية أن البيئة المعمارية والتخطيطية فيما تمثل مورداً اقتصادياً يمكن استغلاله والاستفادة منه لتوفير الداخل إذا ما توفرت الخدمات الأساسية مثل المياه والمجاري والكهرباء والاتصالات سواء من  خلال إحياء النشاطات الاقتصادية التقليدية أو الحديثة أو توجيه الاستثمار في قطاعات المختلفة نحو عناصر التراث الثقافي الحضري من خلال تقديم الحوافز الإضافية مثل إيجاد آليات التمويل.

ونتيجة لعملية التحديث والتطور المستمرة وتوسع المناطق الحضرية في البلاد فإن هناك ضغوطاً متزايدة على المدن والأحياء التاريخية للمدن اليمنية حيث شهدت بعض المدن حتى الآن تغيرات جذرية ولازال التهديد قائم في تحويل هذه المدن إلى مراكز جديدة لا تعكس غناء التراث الثقافي الحضري اليمني ولا أي من رموزه المعمارية أو التراثية وتشوه الشكل الجمالي لهذا التراث. ومن المتوقع أن يتزايد هذا الضغط في المستقبل. إن الأرقام الحالية حول النمو السكاني تشير إلى أنه وبحلول عام 2015م سوف يقطن اليمن ما يقارب أربعين مليون نسمة، يعيش 35% منهم على الأقل في المدن. ويحتمل أن يزداد عدد سكان صنعاء ليصل إلى ما بين 4 إلى 6 مليون نسمة في عام 2015م، وسيكون لهذا مضاعفات كبيرة على التطور الوظيفي للمراكز التاريخية وما ينتج عنه من تأثير على الطراز المعماري الخاص بكل منها.

لقد ظل الموروث الثقافي الحضري في اليمن ولفترة طويلة ذلك القطاع الذي لم يحظى باهتمام كافي ومعزولاً عن الاندماج في القطاعات الأخرى. ولقد أصبح من الواضح أن ذلك الاهتمام المحدود والانعزال سوف يؤثر كثيراً على إحياء المدن التاريخية في اليمن.. إنه ومن خلال الجهود في كافة القطاعات فقط والتي تحقق فيها التنمية الاجتماعية والاقتصادية والمادية جنباً إلى جنب مع إحياء المكنوز التاريخي القيم ستحظى المدن التاريخية في اليمن بفرصة البقاء حية ونشطة وجذابة.

ماذا يعني التراث الثقافي الحضري؟

يعني التراث الثقافي الحضري ذلك الجزء من التراث الثقافي الذي يركز على تصميم وتخطيط وإدارة البيئة التاريخية المبنية في محيط حضري أي بعبارة أخرى المدن التاريخية بما تمثله من نسيج معماري تخطيطي ونشاط إنساني يتفاعل مع البيئة المحيطة بها ويجب أن يفهم أن هذا المصطلح يمثل جزءً م المفهوم الشامل للتراث الذي يتضمن التراث الشفهي والمحرر.

التراث الثقافي الحضري في خطر

رغم أن الكثير منه يعتبر تراثاً إنسانياً لا يمكن تعويضه، نتيجة للتطور الاقتصادي للمدن والنمو الكبير للسكان فإن الضغط على المراكز الحضرية في اليمن والتاريخية منها على وجه الخصوص يتزايد باستمرار حتى الآن ونتيجة لضعف الوعي فلا يزال التراث الثقافي الحضري ينظر إليه على أنه عبء أكثر من ثروة، ولذلك فقد اعتبرت عملية التحديث وإحياء التراث على طرفي نقيض.

لقد كان اليمن محظوظاً حتى الآن إذ لا يزال المكنوز التاريخي مصاناً بالرغم من الضغوط الهائلة، ولم يفت الأوان بعد حيث يتطلب الأمر القيام بإجراءات سريعة لضمان بقاء وصيانة التراث الثقافي الحضري. وإذا لم تتخذ أي إجراءات على المدى القريب جداً فإن التنمية ستستمر بدون أي اعتبار للمزايا البيئية والمعمارية التاريخية في المدن التاريخية، الأمر الذي ينذر بخطر زوال هذه المدن والمعالم الهامة وبالتالي فقدان واحدة من أهم الثروات التاريخية والاقتصادية في اليمن، وسنكون حالمين إذا ما افترضنا أنه يمكن إيقاف عملية التطور، وما يجب عمله إلى جانب الحافز الصحيح هو أنه توجه عملية التطور إلى إعادة استخدام المكنوزات الحالية للتراث الثقافي الحضري مع الأخذ في الاعتبار قيمتها التاريخية والثقافية واستخدام المواد المناسبة بها بطريقة تنسجم مع البيئة المحيطة.

وحتى اليوم لازالت أنشطة التراث الثقافي الحضري تتركز في المدن التراثية العالمية الثلاث: (صنعاء، شبام حضرموت، زبيد) رغم أنها هي الأخرى مهددة بالتشوهات التي قد تؤدي إلى وضعها في قائمة المدن التاريخية العالمية المهددة بالزوال، والمطلوب هو توسيع رقعة هذه النشاطات لتشمل مدن أخرى كثيرة تمتلك نفس القيمة التاريخية والمعمارية تؤهلها أيضاً أن تصبح جزء من التراث العالمي، وعلى سبيل لا الحصر، جبلة، صعدة، تريم، ثلا، سيئون…….. إلخ.

ما الذي يمكن عمله لإنقاذ المدن التاريخية؟

لابد من تكاتف كل الجهود الرسمية والشعبية المتمثلة بالهيئات والمنظمات الغير حكومية من خلال السعي لإيجاد المشاريع الخاصة بالبنية الأساسية والوجيه بالترميم والحفاظ على المباني القديمة وإعادة استخدامها بطرق مناسبة والتي تشكل العنصر الأساسي لمكونات المدينة التاريخية. وإذا لم يتحرك المجتمع اليمني فدماج تراثه الثقافي الحضري في التنمية الشاملة وبطريقة مرنة فإن تدميراً غير قابل للإصلاح واقع لا محالة للهوية الثقافي لليمن واليمنيين.

وللمجالس المحلية والجمعيات الغير حكومية بالذات دور كبير ومهماً في هذا الاتجاه يمكنه أن يكون العنصر الحاسم في إنقاذ المدينة التاريخية خاصة وأن آليات يمكن أن تساعدهم في توفير الدعم الفني والمالي لتنفيذ مشاريع حفاظ تعتمد أسلوب علمي وصحيح لإيقاف تدهور الأحياء التاريخية من مدنهم بالإضافة إلى جهود الدولة المتمثلة بالتخطيط لتوجيه الاستثمار في القطاعات التنموية والاستثمارية المختلفة نحو عناصر التراث الثقافي والحضري من خلال تقديم الحوافز الإضافية مثل إيجاد آليات التمويل والمعلومات والمشورة الفنية وتطوير المهارات.

 

Może ci się spodobać również